سيد محمد طنطاوي
52
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فإن قلت : فقوله : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب قلت : ما هو إلا كلام من جنس كلامه صلَّى اللَّه عليه وسلم الذي كان يرمى به على السليقة . من غير صنعة ولا تكلف ، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ، ولا التفات منه إذا جاء موزونا ، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ، أشياء موزونة ، ولا يسميها أحد شعرا ، ولا يخطر ببال السامع ولا المتكلم أنها شعر . . . « « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - المشركين ببعض النعم التي أسبغها عليهم ، والتي يرونها بأعينهم ، ويعلمونها بعقولهم ، وسلَّى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم عما لقيه منهم ، فقال - تعالى - : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 71 إلى 76 ] أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ومِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) ولَهُمْ فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) واتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ ( 76 ) والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً . . . ) * للإنكار والتعجب من أحوال هؤلاء المشركين ، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام . والأنعام : جمع نعم : وهي الإبل والبقر والغنم . والمعنى : أعمى هؤلاء المشركون عن مظاهر قدرتنا ، ولم يروا بأعينهم ، ولم يعلموا بعقولهم . أنا خلقنا لهم مما عملته أيدينا . وصنعته قدرتنا . أنعاما كثيرة هم لها مالكون يتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه . وأسند - سبحانه - العمل إلى الأيدي ، للإشارة إلى أن خلق هذه الأنعام كان بقدرته
--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 29 . وراجع تفسير الآلوسي ج 23 ص 47 .